مليار دولار لم تُنفق على دبابة أو طائرة أو منظومة صواريخ، بل على “الجبهة الثامنة”؛ المعركة التي يقول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنها تدور اليوم في عقول الناس وقلوبهم، لا سيما بين الشباب في الولايات المتحدة والغرب.
هذا الرقم يكشف أن إسرائيل باتت تنظر إلى الرأي العام باعتباره ساحة حرب لا تقل أهمية عن ميادين القتال. فبعد التراجع غير المسبوق في صورتها الدولية منذ حرب غزة، انتقلت من الدفاع الإعلامي التقليدي إلى بناء منظومة تأثير واسعة تستخدم أحدث أدوات العصر.
وبحسب دراسة صادرة عن معهد كوينسي للحكم الرشيد في السياسة الخارجية (Quincy Institute)، أنفقت الحكومة الإسرائيلية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 أكثر من مليار دولار على حملات الدبلوماسية العامة والتأثير السياسي والإعلامي، في أكبر عملية من نوعها بتاريخها الحديث. واستندت الدراسة إلى سجلات قانون تسجيل الوكلاء الأجانب الأمريكي (FARA)، ووثائق المشتريات الحكومية الإسرائيلية، وعشرات المقابلات مع مصادر مطلعة.
ولم تعد أدوات هذه الحرب تقتصر على المؤتمرات الصحفية أو البيانات الرسمية، بل امتدت إلى التعاقد مع شركات علاقات عامة ولوبيات أمريكية، وتمويل مؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي، وتنظيم رحلات مدفوعة للصحفيين وصناع المحتوى، وشراء حملات إعلانية رقمية، وإرسال رسائل نصية جماعية، بل وحتى إنشاء مواقع إلكترونية تستهدف التأثير في إجابات تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومحركات البحث.
لكن المفارقة التي يرصدها التقرير أن هذا الإنفاق الضخم لم يحقق هدفه الأساسي حتى الآن. فاستطلاعات الرأي، بما فيها استطلاعات أجرتها الحكومة الإسرائيلية نفسها، تشير إلى استمرار تراجع التأييد الشعبي لإسرائيل، خصوصًا بين الشباب الأمريكي، بينما يؤكد عدد من الخبراء الذين استند إليهم التقرير أن المشكلة ليست في ضعف الدعاية، بل في السياسات التي تحاول هذه الدعاية تبريرها.
الرسالة الأهم في هذه الدراسة أن الحروب الحديثة لم تعد تُخاض بالسلاح فقط، بل بالرواية أيضًا. ومن يظن أن وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات لنشر الأخبار، يغفل أنها تحولت إلى ميدان صراع استراتيجي تُرصد له المليارات وتُستخدم فيه الخوارزميات والبيانات والذكاء الاصطناعي للتأثير في اتجاهات الرأي العام.