خاص - راديو غزة

مع مرور ألف يوم على حرب الإبادة التي تعرض لها قطاع غزة، لم يعد الركام مجرد مشهد يملأ الشوارع والأحياء المدمرة، بل تحول إلى جزء من الحياة اليومية ومكوّن أساسي من ذاكرة الفلسطينيين الذين يعيشون بين أنقاض منازلهم ومدارسهم ومستشفياتهم. فملايين الأطنان من الحجارة والحديد والإسمنت لم تعد تمثل آثار دمار فحسب، بل أصبحت شاهدة على فقدان الأحبة، وعلى محاولات متواصلة لإعادة إنتاج الحياة وسط واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.

  المختص النفسي فواز أبو جهل شدد على أن مرور ألف يوم على الحرب يفرض قراءة أعمق للأثر النفسي والاجتماعي والثقافي الذي خلّفه الركام، موضحًا أن الإنسان الفلسطيني، رغم الصدمة والخسارة، يمتلك قدرة استثنائية على تحويل الألم إلى قوة، والدمار إلى مساحة للصمود النفسي والاجتماعي، دون أن يقلل ذلك من حجم المأساة الإنسانية.

 اكد أبو جهل إن قطاع غزة يشهد كارثة إنسانية وبيئية غير مسبوقة نتيجة تراكم ملايين الأطنان من ركام المنازل والبنى التحتية التي دمرتها الحرب"، مشيرًا إلى أن الركام لم يعد مجرد بقايا مادية لمبانٍ منهارة، بل أصبح شاهدًا حيًا على الذاكرة الجماعية، ورمزًا لمعاناة مجتمع بأكمله، "ومع ذلك، يعيد الفلسطيني إنتاج المعنى من داخل الألم، فيتحول الركام إلى رمز للصمود بدلًا من الاستسلام، وشاهد تاريخي على التمسك بالأرض والحقوق". 

أما اقتصاديًا، فيرى أن مرحلة إعادة الإعمار المستقبلية قد تخلق فرص عمل في مجالات إزالة الركام والبناء والصناعات المرتبطة به، إلى جانب إعادة تخطيط المدن وتطوير البنية التحتية. كما يوضح أن الركام تحول إلى مساحة للتعبير الفني، حيث لجأ الفنانون والأطفال إلى الرسم والكتابة والتصوير والنحت على الأنقاض، لتحويل الألم إلى أشكال من التعبير الإبداعي. 

 في المقابل، حذر أبو جهل من أن مرور ألف يوم على الحرب كشف  عن تصدعات اجتماعية وقيمية عميقة نتيجة استمرار الضغط على الموارد الأساسية. ويشير إلى تراجع بعض مظاهر التكافل لصالح سلوكيات فردية فرضتها ندرة الغذاء والماء والدواء، وظهور الاحتكار والاستغلال وبيع المساعدات في الأسواق السوداء، إضافة إلى تفكك بعض الأسر وارتفاع معدلات عمالة الأطفال والعنف الأسري. كما يلفت إلى تراجع منظومة القيم لدى بعض الفئات نتيجة الانقطاع عن التعليم، وازدياد مظاهر التسول والسرقة البسيطة والعنف داخل مخيمات النزوح، فضلًا عن سلوكيات تمس الكرامة الإنسانية للحصول على الاحتياجات الأساسية. ويعتبر أن أخطر ما أنتجته الحرب نفسيًا هو تصاعد مشاعر اليأس والإحباط والرغبة في الهجرة باعتبارها مخرجًا، في ظل استمرار الحرب وغياب أفق سياسي واضح. ويختتم أبو جهل حديثه بالتأكيد على أن الركام بعد ألف يوم لم يعد مجرد بقايا مبانٍ، بل أصبح ذاكرة جمعية وهوية وطنية واختبارًا يوميًا لقدرة الإنسان الفلسطيني على الصمود. ويؤكد أن إعادة إنتاج الأمل من قلب الفقد وتعزيز التماسك المجتمعي يمثلان أحد أهم أشكال الصمود، رغم أنهما لا يلغيان حجم الكارثة الإنسانية، بل يكشفان عن قوة مجتمع يواصل التمسك بالحياة رغم الدمار.